عرض الزيارة: الفرحة تزور مهرجان صفاقس
replay 16:34
عرض الزيارة: الفرحة تزور مهرجان صفاقس
عرض الزيارة: الفرحة تزور مهرجان صفاقس

قيل قديما أن أصعب الأمور مبادئها...و الصعوبة في مقال الحال، هي كيف أبدأ حديثي عن عرض الزيارة الذي احتضنه ليلة البارحة ركح مسرح سيدي منصور ضمن الدورة 40 لمهرجان صفاقس الدولي...اختفت و احتجبت كل الصور...و بقي مشهد الختام حيّا مهيمنا يتصدر شريط الأحداث...حوالي عشرة آلاف متفرج يتقاسمون لحظة نشوة فنية جماعية، يصفقون وقوفا و بحرارة لحوالي 100 مبدع على الركح، تداولوا على تأمين ساعتين من التخميرة الموسيقية و الروحية...جاؤوا صفاقس "زيارةً"...فزارتها الفرحة في وجوه أهلها الباحثين عن "هربة" فنية تسمو بأرواحهم إلى هيبة و تاريخية ذلك العالم العجيب من الطرق الصوفية و الإنشادية.

الزيارة حلت بصفاقس هذه الدورة متوجة بنجاحات جماهيرية قياسية حققتها في كل المهرجانات و التظاهرات الوطنية...إلا أن رهان صفاقس كان مفصليا لمجموعة سامي اللجمي التي سبق لها اعتلاء نفس الركح في الدورة 38 إلا أن الحضور الجماهيري آنذاك لم يرتق إلى انتظارات المنظمين و لا إلى المستوى الفني العالي للعرض...الزيارة غابت عن الدورة الماضية و هي في ذروة نجاحاتها لأسباب مازالت غير معلومة...فكانت النسخة 40 من المهرجان فرصة للمصالحة بين الزيارة و الصفاقسية من حيث الإقبال، و هم المعروف عنهم رفعة و سمو ذائقتهم الفنية.

نجوم الزيارة تجولوا البارحة بين تراث موسيقي صوفي ثري، تحمله الذاكرة الشعبية في أعماق و سواحل البلاد...يتناقله الأهالي مشافهة...و بعضه موثق في عدد من الكتابات و المخطوطات...بين عوامرية و قادرية و عيساوية و غيرها من الطرق و المدارس الإنشادية...جمعها الموسيقار الشاب سامي اللجمي...من خلال جهد بحثي فريد و متواصل...فنجح بذلك في إخراجها من ذاكرة الناس و رفوف المكتبات إلى مسارح المهرجانات و الفضاءات...و أدخل عليها بشكل طريف و ذكي إيقاعات من خارج الموسيقى الصوفية، على غرار الفلامينغو ...فحولها إلى "فلتة" فنية لم يسبقه إليها من أبناء جيله أو من السابقين. الكوريغرافيا و الإضاءة و المؤثرات الصوتية، كان الثوب الذي تزينت به الموسيقى الصوفية، في زيجة إخراجية عبقرية ترجمت درجة الانفتاح و المواكبة التي يجسدها عرض الزيارة.

تقديم عرض الزيارة أمام شبابيك مغلقة في صفاقس لم يكن استثناء أو طارئا للذين يتابعون نجاحات العرض القياسية السابقة...وإنما كان سببا إضافيا لطرح تساؤل جوهري في علاقة التونسي بتراثه الموسيقي عموما، والصوفي على وجه الخصوص... هل التونسي شخصية ماضوية تحن إلى القديم والفولكلور؟ هل يمكن تصنيف الزيارة بما فيها من إضافات في خانة التراث الصرف؟ الإجابة في نظري أن الجمهور التونسي في أغلبه تغريه وتحركه الموسيقى الجادة...التي تحترم الذوق والمعايير الدنيا المشتركة للفن...وهو أحرص وأكثر شغفا بها حين تكون مستلهمة و مستوحاة من هويته و تاريخه و شخصيته الحضارية. أما عن الزيارة، فهي أكدت أن الموسيقى التونسية ثرية عظيمة بطبعها...وأنها كطبيعة أهلها لينة طيعة، لا ترفض التفاعل و التلاقح و الانفتاح مع موسيقات محيطها العربي و الإنساني...فكان نجاحها المحلي واقعا ثابتا و مسألة حسمت و تجاوزها النقاد...ليفتحوا النقاش و التساؤل حول آليات ترويجها و تسويقها للعالم فيصبح رهانها و إشعاعها كونيا إنسانيا.

أنتهي من حيث بدأت...الفن وسيلة ورسالة لجمع قلوب الناس على الفرحة والمتعة...والزيارة جعلت الإمتاع يزور ركح سيدي منصور البارحة لتسجل هي نجاحا جديدا لها...وتكشف عن تعطش جمهور صفاقس العاشق للفن و حاجته لمهرجان بمقدرات مالية تمكنه من المواصلة في برمجة عروض بنفس درجة تميز الزيارة و إبداعها

احمد البهلول